حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

239

التمييز

ولا بد لمن أراد الارتداء برداء السعداء ، والاقتداء بما اعتمدوه من الإسداء ، والاهتداء بنور أفعالهم في الإعادة والابتداء ، من أن يقع لهم على وقائع كرام اعتمدوها ، وصنائع معروف رفدوها ، وطرائق خيرات قصدوها ، وحقائق مروءات وجدوها ، ومنن نظموها في قلائد الأعناق وقلّدوها ، واحسان استرقّوا به رقاب الأحرار فاستعبدوها ، فجدير أن ينتقل عنها غرائبا يفتح لها أبواب المسامع ، ورغائب غوارب كأنّها نور لامع ، ويحصل منها على عجائب يعجب عند ذكرها كلّ سامع ، من ارتدى بجلبابها ، واقتدى بأربابها ، واهتدى بأسبابها ، فمنح معروفا ، وأفرح ملهوفا ، وكشف عن أبناء جنسه حتوفا « 1 » ، أسجل له حاكم فعله بشرف أصله ، وأدخله المعروف في زمرة أهله ، وفضّله التوفيق على غيره بما أتاه الله من فضله ، سيما فيما / 110 أ / يدفع شرا ، ويرفع قدرا ، ويجلب يسرا ، ويفيد سرّا ، ويستعبد حرّا ، ويخلّد ذكرا ويستجدّ شكرا ، ويزيد برّا ، ويمدّ إلى مكارم الأخلاق جسرا ، قال الله تعالى وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً « 2 » . وجاء في الحديث « والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه » « 3 » . أجهل النّاس من يمنع الخير ، ويطلب الشكر ، ويفعل الشر ، ويتوقّع الخير . وإنّما زينة الدّنيا جميعها بالناس . وقال بعض الاعراب « 4 » : والله لولا أن المروءة ثقيل محملها شديدة مئونتها ما ترك اللئام للكرام منها شيئا . والحقّ أبين من أن يظهر بشرح وبيان . وقال علي كرم الله وجهه : على الأكارم أن يردوا صافي المكارم ويدلجوا في حاجة القائم والنائم ، فوالذي وسع سمعه الأصوات ما من أحد أودع قلبا سرورا إلّا خلق الله من ذلك السّرور لطفا فإذا نزلت به نائبة جرى إليها كالماء في انحداره حتّى يطردها عنه كما تطرد غريبة الإبل . وقال أبو حامد الغزالي : ومن أحبّ القرب إلى الله ممّا جرّبه أهل المعرفة وهو النفع المتعدّى من اصطناع المعروف جبرا للقلوب المنكسرة وإطعاما

--> ( 1 ) الحتوف : مفردها حتف وهو الموت ، اللسان ( مادة : حتف ) . ( 2 ) سورة البقرة : آية ( 110 ) . ( 3 ) مسند ابن حنبل 2 / 274 . ( 4 ) في نور عثمانية 3753 وأسعد أفندي وعاطف أفندي : قال اعرابي .